إعلان
-
"ورود إيران" تتألق بمهرجان فاس للموسيقى الروحية
غنت أشعار جلال الدين الرومي
"ورود إيران" تتألق بمهرجان فاس للموسيقى الروحيةتستمر مدينة فاس في اختراق بوابة الزمن معانقة الماضي لإحياء روحه وتراثه واستشراف المستقبل منه؛ وهي في سبيل ذلك تعود بالشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي إلى الزمن كفارس في مهرجان الموسيقى الروحية 2007 وذلك بمناسبة الذكرى الثمانمائة لمولده.فبدا لجمهور المهرجان كأن الرومي حطت روحه في فضائي متحف البطحاء وباب المكينة اللذين استمتع جمهورهما بروائع فنية مستلهمة من قصائده الشعرية، أديت بالفارسية والتركية والعربية ولغة الأوردو.
"تعال يا هذا، أيا كنت وكما أنت.. لا تأبه إن سقطت آلاف المرات.. تعال يا هذا، أيا كنت ومهما كنت.. فلا موطن لدينا لليأس ولا القنوط.. تعال كما أنت، ولا تكن أبدا غيرك"...
عبارات رددها "محمد القباج" رئيس المهرجان، واعتبرها إيذانا باقتحام تجربة وفضاء يغمر النفس، ويحتوي الآخرين حيث تقتحم وتشرق أشعار جلال الدين من جديد على فاس المحتفية به في موعدها الروحي السنوي، لربط الفضاء بالزمان.
"ورود الجنة"
من بلاد فارس التي ولد فيها جلال الدين الرومي في 6 من ربيع الأول من عام 604 للهجرة، جاءت مجموعة "داستان" بأعضائها الخمسة والفنانة "باريزا" التي تحتل مكانة بارزة في الساحة الغنائية الإيرانية، إلى فاس لتساهم في إحياء روحه وتكريمه والاحتفاء به والوقوف إجلالا لصدقه وبساطته وتميزه في التصوف وشعره.
حضور نسائي إسلامي تميز به المهرجانوفي متحف "البطحاء"، أحد القصور القديمة التي بناها الحسن الأول وشكلت مكانا لعقد اللقاءات الملكية قبل أن تتحول منذ 1915 إلى متحف للفنون والتقاليد الفاسية، ربطت "باريسا" التاريخ بالحاضر وهي تغني بنجاح قصائد صوفية للرومي في أحد صحني المتحف وتحت السنديانة المعمرة التي تزيد الموقع جمالا.
فتوسطت "باريزا"، أعضاء فرقة داستان التي تعتبر أشهر مجموعة تؤدي الغناء الإيراني الأصيل لتؤدي "غول إيبيهيشت" أو "ورود الجنة" التي نثرت شعر الرومي على الفضاء بشكل تجاوب معه الجميع.
وهي إن كانت أدت أيضا أشعارًا لمتصوفين كبار من قبيل "أراغي" و"دجوشغاني" و"نظامي" و"سعدي"، لكن غناءها قصائد الرومي كان أكثر تأثيرًا في الجمهور الذي لم يسع الصحن لاحتضانه.
وهذا ما يمكن تلمسه في التصفيقات الحارة التي أعقبت نهاية الحفل وتخللته بشكل كان يضفي صورة جمالية بين أدائها للمقاطع أو العزف المنفرد أو المشترك على الكمان والعود والدف بالخصوص.
تخت نسائيفرقة تيجانية تؤدي وصلة صوفيةلم يكن اعتباطيا اختيار "وعد بوحسون" -إحدى العازفات المهمات في فرقة التخت النسائي الشرقي وهي أول فرقة نسائية في سوريا- قصائد "المثنوي" -التي يصل فيها الرومي إلى قمة الشاعرية، وهو الذي نظمها لتكون شرحا لمعاني القرآن الكريم ومقاصد الشريعة- للغناء في الموقع نفسه في إطار فعاليات ذات المهرجان.
واختارت "وعد" -التي تمتلك صوتا بجودة قل نظيرها على غرار الأصوات الشهيرة التي عرفتها الساحة الفنية العربية في ثلاثينيات القرن الماضي- غناء أشعار الرومي باللغة العربية، وبشكل منفرد بمصاحبة عزفها الشخصي على العود.
فنقلت الجمهور في عرض شيق وبطريقة جذابة وتدفق وانسياب للأبيات الشعرية التي كانت كلماتها تخرج من فمها لتوقع المتلقي في انتشاء نادر، لعيش حيرتها وحيرة الرومي بين السماء وما يشدها إليها والأرض وما يربطها بها.
وعلى غرار تجربة الحكي المتقنة في "المثنوي"، شاركت "نادرة بيرمتوفا" عازفة العود الشابة ذات الصوت النادر والأصول الأوزبكية والطاجيكية، "وعد بوحسون" الغناء في هذا الحفل إلى جانب عازف العود "شورات نابييف"، بشكل تجسدت فيه ببراعة وعمق روح تقاليد الغناء لدى "نادرة" مستعملة أداة واحدة توظفها في أروع صورها، ألا وهي صوتها الأنثوي المميز والمؤثر. وهي التي أبهرت دوما في المهرجانات والمسابقات الفنية الدولية للإنشاد.
وحملت الفنانتان معا جمهور المهرجان -الذي يكتشف شعر الرومي لأول مرة بين ظهرانيه- ليعيش لحظات لن ينساها. وهو الذي استمتع بتنوع وتميز شخوص "رباعيات" الرومي و"المثنوي"، في تساميها ونفاقها وعجزها والصراع بين قوى الخير والشر وضد شهوات النفس والتحكم في أهوائها التي عبر عنها جلال الدين في أروع أعماله الأدبية وبروح إنسانية سامية، بهدف تربية الشخصية الإسلامية وبنائها.
"الجدبة".. مفاجأة تركية
إذا كان هذا الحفل الذي ضمنته الفنانتان برنامجا خاصا يعتبر ثمار دراستهما لطريقته وأسلوبه وحياته وأجواء الروحانيات الصوفية الخاصة بشعره التي تطلبت من "وعد بوحسون" المكوث مدة طويلة في مكتبة الأسد للاطلاع على هذه الجوانب المنوعة؛ فالدراويش الدوارون للطريقة القادرية والمولوية التركية فاجئوا مهرجان فاس باحتفالهم الطائفي الخاص جدا المعروف باسم "إيني دجيم" الذي قدم لعدة مرات بتركيا، لكنه لم يكشف قط للعموم.
وتماما مثل إمامهم المحبوب جلال الدين الرومي الذي يحظى باحترام كبير إلى درجة أن كل المتصوفة عكفوا على دراسة مؤلفاته بما في ذلك أتباع الطرق الصوفية الأخرى الذين يشاركون في لحظات الاحتفال على الطريقة المولوية التي أسسها الرومي وتعرف بموسيقاها الجميلة ورقصها الدائري لشكر الله على نعمه، اختارت المجموعة في هذا المهرجان عيش لحظات نشوة تسمى "الجدبة".
إنها فرصة استمتع فيها الجمهور باحتفال السمع وروعة المزاوجة بين الرقص وروحانيته، كشكل من أشكال العبادة الذاتية الداخلية التي تمكن من الوحدة من الذات الإلهية وتولد نشوة تتجسد في رقصات مستقاة من الرومي وأترابه الذين دأبوا عليها منذ سمع جلال الدين -الشاعر القوي البيان الفياض الخيال البارع التصوير ذو القدرة الفائقة على توليد المعاني واسترسال الأفكار- في أثناء تجواله بأزقة مدينة "قونية" التركية دقات مطرقة صانع ذهب.
وكما كان اسم الجلالة يدوي ويخترق قلب الرومي مع كل طرقة لمطرقة الصانع، حيث يبدأ في الدوران بشكل حلزوني، يحرص الدراويش الدوارون -الذين سموا بهذا الإسلام لهذا السبب- على الرقص على هذا المنوال بسماع الأشعار والموسيقى والإنشاد في أمسيات سماع.
وتلك الأمسيات هي عادة تم الحفاظ عليها كعادة وتقليد اجتماع المريدين الأسبوعي حول الصياح للاستماع لعزف الناي أو الغناء.
دنيوي ومقدس
الدراويش بدورهم ساهموا في إحياء روح الرومي، من خلال الوفاء لطريقته في الرقص الدائري -التي أبدعها لنعي أبيه الروحي وأستاذه المتصوف الكبير "شمس تبريز"، وأصبح علامة على طريقته الصوفية- تقليدًا لهذا الشاعر الكبير الذي انغمس كلية في الروحانيات بعد لقائه "شمس" الذي وقع كل شعره باسمه بعد وفاته، وكان يدور ويدور حتى يصل إلى حالة من الذهول ويبكي وينتحب مبتغيا وجه ربه.
وإذا كانت هذه المجموعة اختارت أداء "المثنوي" و"المانوي" وديوان "شمس"؛ فالفنانة اللبنانية "جاهدة وهبة" التي يستأثر تصوف الرومي وشعره بمكانة خاصة في قلبها، فاجأت حضور متحف البطحاء بحفلها "حب دنيوي، حب مقدس" الذي أدت فيه بعض الأغاني التي ساهمت في صنع بريقها وجعلت منها إحدى أفضل مغنيات الطرب الأصيل -وهي التي لا تغني إلا لكبار الشعراء- كنقطة تميز لها إلى جانب صوتها الرائع والأخاذ.
ولم يقتصر اهتمام مهرجان فاس للموسيقى الروحية بجلال الدين الرومي من خلال ما سلف ذكره، بل استحوذ شعره -وهو المعلم الروحي الكبير والداعية والأستاذ في الفقه- على القراءات الشعرية المنظمة بقصر المقري والمدرسة البوعنانية، في إطار جولة القصور والدور التاريخية بفاس لفائدة حضور وضيوف المهرجان عبر ثلاث محطات من دار التازي إلى قصر الكلاوي فدار بامحمد ثم قصر المقري، وإلى مدرسة الفنون الجميلة والبوعنانية وثانوية مولاي إدريس.
إنشاد باكستاني
ولم تكن العربية والفارسية والتركية هي اللغات الوحيدة التي أحييت بواسطتها روح جلال الدين الرومي، بل اختار أساتذة الإنشاد القوالي من الباكستان في شخص "أخطار شريف آروب فال قوال" لغة الأوردو لتقديم أشعاره في طبق من ذهب لجمهور باب المكينة وبوجلود.
وقدمت المجموعة التي حظيت بتكريم التلفزيون الباكستاني -الذي منحها جائزة "المجموعة الخارقة" باعتبارها أعلى جوائزه ويعتبر أفرادها القوالين الرسميين (دارباري) لضريح "داتا غانج باخش" ولي مدينة "داهور" أكبر تجمع للقوالين في العالم- مجموعة من الأشعار الصوفية المقتبسة أشعارها من بعض دواوين للرومي بالأردية، وهي التي اعتادت على تقديم نصوص صوفية بلغات البوربي والبرسان والبنجاب والعربية.المصدر : إسلام أون لاين
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات: