إعلان
-
"الحَرَّاكَة" .. فِيهْمْ وْفْيهُمْ !!
عادل اقليعي - ليلى أمزير-المغرب 18 ديسمبر 2005
حتى سنوات خلت كانت كلمة "الْحْرِيكْ" – بثلاث نقط فوق حرف الكاف - في الشارع المغربي قد لاتعني شيئا مهما، أو لفظة غير شائعة كما أضحت الآن، و"الحريك" كما يحب الكثيرين تسميته هو مصطلع عامي مغربي يعني "الهجرة السرية"، وإن كانت الكلمة بالدارجة أكثر قوة وواقعية منها بالعربية. إذ في معنى "الحريك" التي تنطق بتغليظ الكاف، أن صاحبها "يحرق" كل المراحل وربما كل أوراق هويته، متجها نحو الضفة الأخرى، وهو متيقن أن رحلته قد تعني له بنسبة كبيرة الموت المحقق..
لعنة الشواهد العليا اليوم"الحريك" أصبح يتم داخل المغرب، من قبل شباب أفنوا حياتهم في نيل "لعنة الشواهد العليا".. لكن بطرق مختلفة، ومن قبل شباب غير الشباب!! فيوم الخميس 15/12/2005 أضرم 4 معطلين مغاربة من مجموعة حاملي الرسائل الملكية قصد التشغيل" النار في أنفسهم أمام مقر وزارة الصحة بالرباط العاصمة المغربية، وذلك احتجاجا على تماطل الحكومة في تنفيذ وعودها لهؤلاء بإيجاد مناصب شغل لهم.
لم نصدق ما حدثكانت نظرات الناس للمشهد تكتسيها الصدمة والذهول، لأنه ليس مشهد من مشاهد الأفلام البوليسية، وإنما واقع شباب مغربي، وقد أفاد شهود عيان أن حوالي 20 معطلا من حاملي الرسائل الملكية اجتمعوا أمام مقر وزارة الصحة وهم مقيدي الأرجل.. ليتقدم بعد ذلك 4 منهم بعدما صبوا عليهم مادة البنزين – مادة سريعة الاشتعال- بإشعال النار في أنفسهم .. وكأنهم يقدمون قربانا لهذه الحكومة كي تجد لهم شغلا كريما !! وبمجرد ذلك أقدم رجال الوقاية المدنية والسلطات المحلية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بحيث تم نقل هؤلاء الأربعة إلى قسم العناية المركزة بمستشفى ابن سيناء بالرباط، بعد إصابتهم بحروق متفاوتة الخطورة، واحد منهم في حالة خطيرة حيث أصيب بحروق من الدرجة الثالثة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها هؤلاء المعطلون على هذه الخطوة بل سبق وهددوا مرات عديدة بإنتحار جماعي من خلال إحراق أنفسهم، بل وهموا لفعل ذلك مرات ومرات أمام عدد من المؤسسات الحكومية ..
لا قياس مع الفارقلست أدري هل أسميها ظاهرة أم فترة عابرة ..لكني سأتمنى أن تكون عابرة، وإلا فهي طامة كبرى.. إقدام هؤلاء المعطلين على إضرام النار في أنفسهم، هو أسوء بكثير من "حريك" شباب المغرب إلى الضفة الأخرى، فهذا "حريك" والآخر "حريك"، وكما يقول الفقهاء لا قياس مع الفارق .
المعطل ..مواطن سيء السمعةحول تفاصيل معاناة المعطلين المغاربة من حملة الشواهد العليا يروي محمد حدوي جزء من الرواية في جريدة الأسبوع الصحفي العدد 347/784:"كنت مواطنا سيئ السمعة، لأنني عندما حصلت على أعلى دبلوم تمنحه الجامعة المغربية وجدت نفسي متهما بحيازة شهادة تثبت تورطي في جريمة: "تلقي تعليم غير نافع، لا يقدم المساعدة الضرورية لقطاع خاص هو في حالة خطر"، وأنزلوا علي عقوبة البطالة، وسجنت في زنزانة التشرد مع اداء غرامة مالية كتكلفة الالتحاق برفاق الدرب في الرباط مع القيام بالأعمال الشاقة عندما يسلخ رجال "السِّيمِي" جلودنا كالخرفان امام البرلمان. ويضيف "أيام الاعتصام الاضطراري ويا لها من أيام غنية عن التعريف، أيام تضع كل معطلة حاملة ما في بطنها، اثناء الإجهاض من شدة الهول، وتذهل الأمهات الأخريات مما يرضعن حيث يتركنهن على رصيف الشارع عندما تسقط إحداهن ارضا من جراء الضرب أو الهلع، وترى الآخرين منتشرين كالفراشات المبثوتة على كل أطراف الشارع. يوم ترى المعطلين وقد عجزت كافة نظريات فرويد في التحليل النفسي، ولا نظريات كينز أوريكاردو في الاقتصاد من ان تهدئ روعهم، وتراهم يطوفون بين وزارة ووزارة، وفي شارع محمد الخامس ولا مجيب ـوتحسبهم سكارى وما هم بسكارىـ وفي أيام الفزع الأكبر عندما يقنطون من رحمة الله ومن صمت الحكومة وهم يربطون أنفسهم بالسلاسل والأغلال ويسكبون على انفسهم البنزين وهم يهددون بإحراق ذواتهم كأنهم اقترفوا ذنبا." ويضيف:"هل الشيطان الماكر بدا يسكن في البطالة فوسوس لهم بذلك؟؟ هذا ما همس به مواطن من المارة كان حاضرا ذلك اليوم .. مواطنا بجانبه وهم وسط جموع العامة من المواطنين الذين يتابعون المشهد فأجابه بهمس وحذر لأنه كان قريبا من موقع رجال الأمن الذين ارعبهم المنظر: "لا أدري، ربما ان حلمهم في أن يصبحوا مواطنين قد دمر، فحتى أعمارهم تجاوزت الثلاثين وبدون زواج ولا مال ولا بنون". لينهي كلامه ولا تنتهي المعاناة :"لا شك ان ما قاله هذان المواطنان بهمس على حق، فذنب هؤلاء المعطلين هو أنهم حلموا بأن يصبحوا مواطنين في هذا البلد الذي نهش فيه ذئاب الليل العباد، وفيما النفوذ يتراحمون، ونسوا بأن الذئب الذي يفترس النعاج في الوادي متستر بظلمات ليل النفوذ القصير سيترك أثاره وأثار دمائها على حصباء ذلك الوادي، وعندما تشرق شمس الحقيقة يفتضح كل شيء". فإذا كانت ظاهرة "الحريك" –الهجرة السرية – في المغرب قد نالت بعض حظها من الرصد والمعالجة فإننا نتمنى أن يرى العالم ايضا كيف يقبل شباب المغرب على "حريك" داخل بلدهم. فالواقع ليس هو الخيال ولا يمكن حجب الشمس بالغربال كما يقال.المصدر عشرينات
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات: